محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

252

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

المسألة السابعة : شهادةُ الوالد لأولاده وأحفادِه وشهادة الأولاد لآبائهم وأجدادهم وهي مرتبةٌ أضعفُ من المرتبة الأولى وقد اختلف العلماءُ فيها ( 1 ) ولم يجمعوا على بطلانها كشهادةِ الإنسان لنفسه ، لأن حُبَّهُ لنفسه أقوى ، وإن توهَّم بعضُ الناس أن محبته لأولاده أقوى ، فهو خيالٌ كاذب ينكشِفُ بطلانُه وقتَ الشدائد العظيمة ، ولهذا أخبر اللهُ تعالى : أن الناس يودُّون يومَ القيامة أن يَفْدُوا أنفسَهم من العذاب بأولادِهم وأهليهم ، ولما كان حُبُّ الإنسان لأولاده وآبائه أضعفَ مِن حُبه لنفسه ، اختلف العلماءُ فيها ، فقال بعضُهم : هي تُهمة شديدة قد تحمِلُ على الباطل عند فورةِ الغضب ، والعصبيَّةِ في الخصومات ، وشدةِ المنازعة في الحكومات ، وخوف غلب القرين ، وشماتة الحاسدين ، فأوجبت الشَّكَّ ، فوجب طرحُها قياساً على شهادة الثقة على عدوه ، فإنَّها غيرُ مقبولة مع عدالته لأجل التُّهمة ، فكذلك هذه ، وقال آخرون : ليست تقوى على القدح في الوازع الشرعي ،

--> ( 1 ) جاء في " المغني " لابن قدامة 9 / 191 : ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ، ولا لولد ولده وإن سفل . . . ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا لوالدته . . . وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي . وروي عن أحمد رحمه الله رواية ثانية : تقبل شهادة الابن لأبيه ، ولا تقبل شهادة الأب له ، لأن مال الابن في حكم مال الأب ، له أن يتملكه إذا شاء ، فشهادته له شهادة لنفسه أو يجُرُّ بها لنفسه نفعاً قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أنت ومالك لأبيك " وقال : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه . وعنه رواية ثالثة : تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه في ما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنىً عنه ، لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة ، وروي ذلك عن شريح ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، والمزني ، وداود ، وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات ، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالأجنبي . . .